مباشر

غاندي من العزوبية الأبدية إلى "الروح العظيمة"

تابعوا RT على
في السادس من نوفمبر عام 1913، أُلقي القبض على موهانداس غاندي في جنوب أفريقيا أثناء قيادته مسيرة لعمال المناجم الهنود، احتجاجا على قوانين عنصرية.

لم تكن جنوب أفريقيا بالنسبة إلى غاندي مجرد مكان عمل في مهنة المحاماة، بل كانت أيضا ساحة تدريب حقيقية على النضال. فهناك واجه التمييز العنصري للمرة الأولى، وبلور فلسفته القائمة على المقاومة السلمية واللاعنف، أو ما يُعرف بـ"ساتياغراها".

من أهم أحداث تلك الحقبة حادثة القطار عام 1893. خلال رحلة عمل، طُلب من غاندي مغادرة عربة من الدرجة الأولى كانت مخصصة للبيض. رفض غاندي تنفيذ الأمر، فأخرجته الشرطة من القطار بالقوة. ويُقال إن تلك الليلة التي قضاها على رصيف محطة مهجورة كانت لحظة تنوير فارقة في حياته؛ إذ قرر بعدها ألا يعود إلى الهند، واختار أن يكرس حياته للنضال ضد التمييز العنصري الذي كانت تواجهه الجالية الهندية.

هناك أسس غاندي عام 1894، بالتعاون مع أبناء الجالية، منظمة سياسية لتنسيق النضال من أجل حقوق الهنود تحت اسم "مؤتمر ناتال الهندي". حوّلت هذه الخطوة أعمال الجالية الهندية المشتتة إلى قوة أجبرت السلطات على أن تأخذها في الحسبان. في عام 1896، نشر من سيعرف لاحقا بالمهاتما، أي "الروح العظيمة"، "الكتيب الأخضر"، الذي عرض فيه أوضاع الهنود في جنوب أفريقيا بالتفصيل، ودعا أبناء وطنه إلى التكاتف والوحدة.

من الخطوات اللافتة أن غاندي نظّم خلال حرب البوير الثانية (1899–1902) "فيلق الإسعاف الهندي" لمساعدة الجيش البريطاني، بل شارك بنفسه في إجلاء الجرحى وعمل في المستشفيات الميدانية. في وقت لاحق، أثناء انتفاضة الزولو عام 1906، شكّل مجددا وحدة طبية مؤلفة من هنود. كان دافعه إلى ذلك فكرة مفادها أن إظهار الهنود للمسؤولية المدنية وتقديمهم العون للسلطات من شأنه أن يعزز مطالبهم بالحصول على حقوق مدنية متساوية. كانت تلك خطوة سياسية استراتيجية؛ أظهرت أن الجالية الهندية ليست معادية للسلطات، مع تمسكها في الوقت نفسه بمطالبها العادلة.

من المحطات المهمة في جنوب أفريقيا أن غاندي قطع على نفسه عام 1906 عهدا بـ"براهماتشاريا"، أي العزوبة وضبط النفس. لم يكن ذلك بالنسبة إليه مجرد خيار روحي شخصي، بل وسيلة للانضباط الذاتي بوصفه قائدا؛ فقد أراد البرهنة على أنه لا يسعى إلى السلطة ولا إلى الراحة الشخصية.

إضافة إلى ذلك، رفض غاندي بوعي نمط الحياة "الأوروبي"، واختار ارتداء ملابس بسيطة، وتبني أسلوب حياة متواضع، والانخراط في أعمال يدوية شاقة؛ وقد عزز نمط الحياة هذا سلطته الأخلاقية في نظر أتباعه.

على الرغم من أن فكرة المقاومة من دون عنف تبلورت تدريجيا، فإنها اتخذت في جنوب أفريقيا شكل استراتيجية متماسكة وشاملة.

لم يُعتمد مصطلح "ساتياغراها"، الذي يعني "الإصرار على الحقيقة"، على الفور؛ فقد استخدم غاندي في البداية مصطلحات أكثر شيوعا مثل "المقاومة السلبية"، لكنه أدرك لاحقا الحاجة إلى مصطلح فريد يشدد على القوة الأخلاقية الفاعلة بدلا من السلبية.

في جنوب أفريقيا تحديدا، تبلورت المبادئ الجوهرية لـ"ساتياغراها"، وهي: المخالفة المتعمدة والمقاومة السلمية بلا عنف للقوانين الجائرة، والاستعداد لتحمل المعاناة، ومخاطبة ضمير الخصم. في وقت لاحق، نقل غاندي هذه التجربة إلى الهند، حيث قاد النضال من أجل الاستقلال.

غادر غاندي جنوب أفريقيا في 18 يوليو 1914. كانت الأحداث التي شهدها هناك هي التي صاغت فلسفته السياسية؛ فقد وصل إليها محاميا يبحث عن عمل، وغادرها وهو يحمل لقب "المهاتما"، بعد أن طوّر أساليب عدم التعاون، والعصيان المدني، والاعتماد على الذات المجتمعية، وهي الأدوات التي استخدمها لاحقا في حركة استقلال الهند.

المصدر: RT

 

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا