ويعكس المشهد انقساما سياسيا حادا داخل إسرائيل يضع مستقبل السلطة التنفيذية أمام حسابات معقدة ومفاوضات قد تطول.
وفي هذا الصدد نشر الكاتب بصحيفة "إسرائيل هيوم" يوآف ليمور مقالا تحليليا تحت عنوان "الخلاف بين نتنياهو والجيش الإسرائيلي قبيل الحرب المقبلة مع إيران" طرح من خلاله السيناريوهات المتوقعة لتشكيل حكومة.
وقال يوآف ليمور: "لا يمكن لأحد أن يدّعي الفوز في الانتخابات.. بالطبع، كانت هناك انتصارات تكتيكية.. حقق حزب الليكود أكثر مما توقعه خبراء استطلاعات الرأي، وزاد نفوذ العرب بشكل ملحوظ، وحصل معارضو الحكومة على أغلبية شعبية.. يضاف إلى ذلك شبهة جدية بوجود رشاوى ممولة من قطر في الانتخابات، وهو أمر لا يزال يتطلب تحقيقا وتوضيحا".
وأضاف ليمور: "لكن من الواضح أن الإسرائيليين دخلوا موسم الانتخابات هذا منقسمين سياسيا، وخرجوا منه منقسمين سياسيا أيضا.. باختصار فوضى عارمة".
وتابع قائلا: "هناك عدة طرق لحل هذه المعضلة.. لو كانت إسرائيل دولة طبيعية لكان المسار طبيعيا.. 67 مقعدا أفضل من 53.. في وقت قصير ستتشكل حكومة تعتمد على أصوات معارضيها.. لكن إسرائيل ليست دولة طبيعية، وضمن هذا التكتل يشغل ما يقارب ثلث المقاعد أحزاب عربية غير صهيونية وفرص استمرار مثل هذه الحكومة ونجاحها في مواجهة التحديات الكثيرة التي تنتظر إسرائيل ضئيلة للغاية، نظرا للفجوات الأيديولوجية الهائلة بين مختلف الأحزاب والسياسيين".
وأفاد الكاتب في مقاله بأن أعضاء هذه الكتلة يواجهون إغراء واحدا وهو ترشيح شخص لمنصب رئيس الوزراء، مثلا غادي آيزنكوت، وتشكيل لجنةٍ دائمة في الكنيست، وانتخاب رئيسٍ جديد خلفا لأمير أوحانا، والبدء بالعمل.
ويشمل ذلك تشكيل لجنة تحقيق حكومية في السابع من أكتوبر، وإقرار "قانون المتهمين"، وإلغاء قوانين الانقلاب القانوني وقوانين الإعلام، وغير ذلك، موضحا أنه إغراء كبير وسيف ذو حدين سيلوّح فوق رؤوس بنيامين نتنياهو وشركائه في الأيام المقبلة.
واستطرد يوآف ليمور قائلا: "ثمة طريقة ثانية، وهي التي ستتحقق أيضا لو كانت إسرائيل دولة طبيعية، وهي تشكيل حكومة وحدة وطنية قائمة على الأحزاب الصهيونية المساهمة في المشروع الصهيوني.. وبعبارة أخرى بدون حريديم وبدون عرب.. حكومة ستعتني بهاتين الأقليتين أيضا، بالطبع، ولكن قبل ذلك، ستعتني بأغلبية الشعب الذي يحمل البلاد على عاتقه".
ويضيف الكاتب: "لتشكيل حكومة وحدة وطنية يجب على جميع الأطراف المعنية التخلي عن مصالحها الشخصية والتزاماتها، وفي حالة نتنياهو، يجب عليها أيضا الوفاء بالتزاماتها.. هل هذا ممكن؟ نعم ممكن.. هل هذا حل جيد؟ هو بالتأكيد حل أفضل (أو أقل سوءا) من أي حل آخر.. هل سيحدث؟ في الوقت الراهن تبدو فرص حدوث ذلك ضئيلة، إلا إذا أصدر شخص واحد ليس الرئيس إسحاق هرتسوغ، بل رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب الأمر".
ويوضح الكاتب الإسرائيلي أنه إذا أخبر ترامب نتنياهو أنه لا يرغب في العمل مجددا مع حكومة يمينية تعتمد على إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وتنفذ سياساتهما عمليا حكومة تعقّد وضع إسرائيل في العالم وتعرضها للخطر بالمقاطعات، فهناك احتمال أن يرضى نتنياهو، لكن هذا سيظل يتطلب موافقة الطرف الآخر أي التخلي عن إغراء السيطرة على الكنيست وتشكيل حكومة أقلية، والأهم من ذلك، التوصل إلى صيغة مقبولة لجميع الأطراف في السنوات القادمة.
إلا أن الكاتب يرى مسارا ثالثا قد يفضله نتنياهو، ويتمثل هذا المسار في خوض حرب مع إيران ما سيضع إسرائيل في حالة طوارئ، ويؤجل أداء الكنيست اليمين الدستورية (أي السيطرة عليه)، ويعرقل المفاوضات لتشكيل الحكومة، وينتهي كما يأمل بإنجاز إسرائيلي واضح يعزز شعبيته.
ومن هذا المنطلق، سيسعى جاهدا للوصول إلى جولة انتخابية أخرى يأمل فيها أن يخسر اليمين عددا أقل من الأصوات، وأن يقل إقبال العرب على التصويت، وأن يتراجع عدد الإسرائيليين المقيمين في الخارج، وأن يكون أقرب مرة أخرى إلى تشكيل حكومة يمينية متشددة.
وسيقول أنصار نتنياهو إن هذا المسار الثالث هو الأفضل، وسيضيفون كما يحاول المقربون منه ترويجه منذ إغلاق صناديق الاقتراع، أن الشعب هو من اختاره، وهذا بالطبع غير صحيح فقد تقلص الائتلاف الذي قاده بشكل ملحوظ، وهو بعيد كل البعد عن الأغلبية البرلمانية.
صحيح أن حزب الليكود حافظ على قوته تقريبا، وكان نتنياهو ولا يزال شخصية بارزة، لكن أغلبية الشعب الإسرائيلي صوتت ضده بفارق كبير.
هذا، ويؤكد الكاتب أنه بإمكان نتنياهو جر إسرائيل إلى جولات أخرى من الحرب والانتخابات، مشددا على أن ذلك لا يصب في مصلحة إسرائيل قطعا.
ولفت يوآف إلى أن معارضي نتنياهو سيقولون إن الخيار الأول هو الأفضل، مشيرا إلى أن النهج الوسطي هو الأفضل لإسرائيل وربما بيس الأفضل لنتنياهو ولخصومه.
وأكد في السياق أنه ليس السيناريو المثالي لكنه سيُمكن من إقامة حكومة طبيعية، قائمة على أسس طبيعية، تُظهر للعالم صورة طبيعية، وربما تُعيد إسرائيل إلى كونها دولة طبيعية مرة أخرى.
- النتائج النهائية
أظهرت النتائج النهائية للانتخابات، عقب فرز كامل الأصوات، تصدر حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو بـ27 مقعدا، يليه حزب "يشار" بـ21 مقعدا، ثم "بياحد" بـ12 مقعدا، والقائمة المشتركة بـ11 مقعدا، والقائمة العربية الموحدة بـ8 مقاعد.
وحصل حزب الديمقراطيين على 8 مقاعد، ويسرائيل بيتينو على 7 مقاعد، وعوتسما يهوديت على 7 مقاعد، ويهدوت هتوراة على 7 مقاعد، بينما حصد حزب شاس 6 مقاعد، والصهيونية الدينية 6 مقاعد.
وتوزعت المقاعد وفق النتائج المعلنة على النحو التالي:
- معسكر بنيامين نتنياهو: 53 مقعدا
- معسكر التغيير والمعارضة: 48 مقعدا
- الأحزاب العربية: 19 مقعدا
وتعكس هذه الأرقام معادلة سياسية بالغة الحساسية إذ لا يمتلك معسكر نتنياهو ولا معسكر المعارضة العدد الكافي لتشكيل حكومة بمفرده، في ظل حاجة أي ائتلاف إلى 61 مقعدا من أصل 120 مقعدا في الكنيست.
ويمنح هذا التوزيع الأحزاب العربية وزنا سياسيا مؤثرا في الحسابات البرلمانية، ويجعل مواقفها واتجاهاتها بشأن التحالفات المحتملة عنصرا مهما في تحديد شكل الحكومة المقبلة، رغم تعقيدات الانضمام إلى الائتلافات وتباين المواقف السياسية بين الأحزاب المختلفة.
وتشكل النتائج ضربة سياسية لمعسكر بنيامين نتنياهو، الذي لم يتمكن من تأمين الأغلبية البرلمانية رغم تصدر الليكود قائمة الأحزاب من حيث عدد المقاعد.
ولا تقتصر الأزمة على الحسابات الرقمية، بل تمتد إلى طبيعة العلاقات بين الأحزاب وإمكانية التوصل إلى تفاهمات تسمح بتشكيل ائتلاف مستقر، خصوصا في ظل الخلافات المتعلقة بالتجنيد العسكري، والسياسات الأمنية، وطبيعة العلاقة بين الأحزاب الدينية والعلمانية.
وفي المقابل، يواجه معسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت تحديا مماثلا، إذ إن حصوله على 48 مقعدا لا يكفي للوصول إلى الأغلبية، ما يفرض عليه البحث عن صيغة سياسية قادرة على تجاوز الانقسامات وتوسيع قاعدة الدعم البرلماني.
المصدر: "إسرائيل هيوم"