يحدد الخبراء مجموعة كاملة من المخاطر "الجديدة"، وهي تلك التي تفاقمت إما بشكل حاد بسبب التقدم التكنولوجي أو التحولات العالمية، أو تلك التي لم يكن ينظر إليها في السابق على أنها تهديدات نظامية.
ويقدم تقرير المخاطر العالمية لعام 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي و"لجنة لانسيت" حول التهديدات العالمية أحد أكثر الرؤى شمولا في هذا الشأن، مع تسليط الضوء على أنه على الرغم من أن بعض المخاطر جديدة تماما، فإن بعضها الآخر يمثل قضايا طويلة الأمد تصاعدت بسرعة من حيث الإلحاح والنطاق.
المواجهة الجيو اقتصادية تتصدر المشهد
يلفت الخبراء الآن إلى أن "المواجهة الجيواقتصادية" هي الخطر العالمي الأكبر لعام 2026، وهو ما يمثل تحولا كبيرا عن السنوات السابقة. يعكس هذا الأمر "عصر المنافسة"، حيث تُستخدم التجارة والتمويل والتكنولوجيا كسلاح بطريقة عمدية لتحقيق ميزة استراتيجية. يحتل الصراع بين الدول المرتبة الثانية من حيث خطورة المخاطر، ويحذر الخبراء من أن المواجهة تهدد سلاسل التوريد والاستقرار الاقتصادي العالمي، ما يعقد التعاون الدولي اللازم لمعالجة الأزمات الأخرى. يتوقع أغلبية المشاركين، بنسبة 68%، نظاما عالميا أكثر تشرذما وتعددا للأقطاب خلال العقد المقبل.
التكنولوجيا.. فرص هائلة ومخاطر غير مسبوقة
توصف المخاطر المرتبطة بالتكنولوجيا بأنها "مثيرة للقلق حديثا"، مع تزايد القلق بشأن الذكاء الاصطناعي. تتعدد المخاطر المتأتية منه، ومن أبرزها ما يأتي:
- الاستخدام الضار للذكاء الاصطناعي: صنفته "لجنة لانسيت" ضمن المخاطر التي تنطوي على "إمكانية الانقراض"، إلى جانب الصراع النووي.
- الهجمات الإلكترونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي: تمثل تهديدا على المدى القريب. ويحذر خبراء، مثل رجل الأعمال الأمريكي الشهير بيل غيتس، من أن الجهات الفاعلة الخبيثة ستستغل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة لتكثيف الهجمات، خاصة عند إزالة ضمانات السلامة. ويطلق على عملاء الذكاء الاصطناعي الذين يقومون بعمليات القرصنة اسم "إشارات الإنذار المبكر" للحوادث الكبرى المحتملة في غضون عام أو عامين.
- الذكاء الاصطناعي في صنع القرار العسكري: يشكل تحديا عالميا للحوكمة، ما يزيد من مخاطر تسارع الصراعات وفقدان السيطرة البشرية.
- انعدام الأمن السيبراني: لا يزال يمثل خطرا من الدرجة الأولى، حيث يحتل المرتبة السادسة في التوقعات لمدة عامين، كما تظل البنية التحتية الحيوية معرضة للخطر بدرجة كبيرة.
يتيح الذكاء الاصطناعي التوليدي إمكانية إنشاء مقاطع مزيفة مقنعة وأخبار مزيفة على نطاق واسع، وحتى تزوير المستندات أو الأصوات. ويؤدي ذلك إلى تفاقم الاستقطاب الاجتماعي وتقويض الثقة في المؤسسات. في الأمد البعيد، يشعر الخبراء بالقلق إزاء المخاطر التي تهدد أسواق العمل، والمتمثلة في النزوح الجماعي للبشر، والأخطاء في أنظمة صنع القرار العسكرية واللوجستية، وتركيز الفوائد لصالح أصحاب التكنولوجيا مع التقليل من قيمة مهارات العمال.
يُضاف إلى ذلك مخاطر تقنيات الكم؛ إذ يعتقد الخبراء أن ظهور أجهزة الكمبيوتر الكمومية يهدد التشفير الحديث، لأنها قد تمكن من كسر الأصفار الحالية، ما يخلق مخاطر جسيمة على أمن البيانات والأنظمة المالية والبنية التحتية الحكومية. كما تبرز مخاطر التوائم الرقمية وسرقة الهوية العكسية؛ فالجمع بين البيانات المسربة من قواعد بيانات مختلفة قد يجعل من الممكن إنشاء نسخة رقمية لشخص ما بغرض الاحتيال.
البيئة.. مخاطر مؤجلة ظاهريًا وحاضرة مستقبلا
على الرغم من انخفاض المخاطر البيئية في التصنيفات على المدى القصير، إلا أنها تهيمن على التوقعات على المدى الطويل. يمثل الطقس المتطرف أشد المخاطر على المدى الطويل، يليه فقدان التنوع البيولوجي، وانهيار النظام البيئي، والتغيرات الحاسمة في أنظمة الأرض.
يشدد الخبراء على خطورة التغييرات الحاسمة في أنظمة الأرض. الحديث لا يدور فقط حول الظواهر الجوية المتطرفة، بل أيضا حول تحولات واسعة النطاق، مثل ذوبان التربة الصقيعية، وتدمير تيارات المحيط، وتدهور الشعاب المرجانية. يضاف إلى ذلك التحذير من أن انخفاض مستويات الأكسجين في الماء مع زيادة حموضته يهدد النظم البيئية البحرية.
يحذر الخبراء من أن نقاط التحول المناخية وفقدان التنوع البيولوجي على نطاق واسع تشكل الآن تهديدا أعمق للأمن العالمي من العديد من المخاطر التقليدية، لأنها تقوض النظم الغذائية وموارد المياه والصحة العامة. كما أدرجت "لجنة لانسيت" تغير المناخ وتلوث الهواء ضمن التهديدات الكارثية السبعة عشر التي تهدد الصحة.
التلوث الجديد والتهديدات الصحية
يلفت الخبراء إلى خطورة الأشكال الجديدة من التلوث، مشيرين إلى تراكم المواد البلاستيكية الدقيقة في الكائنات الحية، بما في ذلك البشر، وإدخال "المواد الكيميائية إلى الأبد" في البيئة من الأدوية وغيرها من المصادر. علاوة على ذلك، أصبح تلوث المياه بالمركبات الصيدلانية مشكلة لا تستطيع مرافق المعالجة مواجهتها دائمًا.
حددت "لجنة لانسيت" سبعة عشر تهديدا كارثيا مترابطا يمكن أن تهدد الصحة والبقاء على قيد الحياة حتى عام 2100. إلى جانب الذكاء الاصطناعي الضار والصراع النووي، تشمل هذه التهديدات مقاومة مضادات الميكروبات والأوبئة التي تحدث بشكل طبيعي، والتهديدات البيولوجية التي يصممها الذكاء الاصطناعي عبر الاستخدام المتعمد أو غير المشروع له لتصميم أسلحة بيولوجية فتاكة ونشرها، والصراع النووي الذي يحمل في طياته إمكانية الانقراض ليس فقط من خلال آثار الانفجارات، بل أيضا من خلال "المجاعة النووية" في الغلاف الجوي التي يمكن أن تؤدي إلى انهيار الزراعة العالمية.
المخاطر الاجتماعية.. تضليل واستقطاب وتآكل الثقة
أما المخاطر الاجتماعية فقد ظلت ثابتة، لكن طبيعتها تتطور. فتحتل المعلومات الخاطئة والمعلومات المضللة المرتبة الثانية من حيث أخطر المخاطر خلال توقعات العامين، في حين أن الاستقطاب المجتمعي مصدر قلق دائم من بين الخمسة الأوائل. ولا يتعلق هذا الاستقطاب بالثروة فحسب، بل يتعلق أيضًا بالقيم المتباينة، ما يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات والتعاون المتعدد الأطراف الذي يدعم الاستقرار العالمي. ويشير الخبراء إلى أن التغير التكنولوجي والتحولات الجيواقتصادية تعمل على إضعاف الحراك الاجتماعي، وتعميق مخاطر التماسك الاجتماعي.
الترابط والتسلسل.. لماذا لا يمكن معالجة كل خطر منفردًا؟
تُوصف هذه المخاطر "الجديدة" بأنها كوارث منعزلة أقل من كونها مخاطر مترابطة ومتتالية. فالعسكرة السريعة للذكاء الاصطناعي، وتسليح الاعتماد الاقتصادي المتبادل، وعبور نقاط التحول البيئية، وتآكل المعلومات والقيم المشتركة، تعمل على تعزيز بعضها بعضا. يؤكد الخبراء أن هذه التهديدات ليست حتمية، إلا أن أي تأخير في التحرك لن يؤدي إلا إلى زيادة التكاليف المستقبلية وتقليل مجال المناورة المتاح للبشرية.
المصدر: RT