مباشر

الحكومة الفرنسية واقعة بين مطرقة الاحتجاجات الواسعة وسندان الإجراءات التقشفية

تابعوا RT على
تواجه فرنسا أزمة سياسية واجتماعية متصاعدة، بلغت مرحلة حرجة يوم 17 أكتوبر، مع خروج مظاهرات واسعة احتجاجا على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود وتدهور الخدمات العامة والتعليم.

وشارك في الاحتجاجات نحو 550 ألف شخص وفق وزارة الداخلية، مقابل 800 ألف بحسب المنظمين، وشهدت باريس وليون ومرسيليا ومدن أخرى مواجهات عنيفة وحرائق واعتداءات على منشآت حكومية، أسفرت عن توقيف نحو 400 شخص.

وجاءت التحركات بعد أسابيع من احتجاجات طلابية اتسعت لتشمل نقابات عمالية وشرائح اجتماعية متضررة اقتصاديا، مع ظهور مؤشرات على محاولة إحياء حركة "السترات الصفراء".

وأدان الرئيس إيمانويل ماكرون أعمال العنف، بينما اتهم رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو مجموعات من اليسار المتطرف باستغلال الاحتجاجات سياسياً قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027.

تتزامن الاحتجاجات مع تراجع حاد في شعبية السلطة التنفيذية؛ إذ أظهر استطلاع "إبسوس" المنشور في 10 أكتوبر انخفاض التأييد لماكرون إلى 15%، مقابل 22% لرئيس الوزراء.

وفي محاولة لاحتواء الغضب، أعلنت الحكومة خطة لخفض أسعار الوقود بما يصل إلى 18 سنتا للتر، عبر استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية. لكن هامش المناورة الاقتصادية يبقى محدودا، بعدما ارتفعت فوائد السندات الفرنسية لعشر سنوات إلى نحو 4.9%، مع توقع بلوغ العجز المالي 5.4% من الناتج المحلي خلال 2026. وبالتزامن، بدأت مناقشة موازنة 2027 وسط تهديدات من اليسار بحجب الثقة عن الحكومة، فيما يحتفظ حزب التجمع الوطني اليميني بموقف أقل حسما.

تشير المعطيات إلى أن ماكرون يواجه أزمة أعمق من مجرد انخفاض شعبيته أو اتساع الاحتجاجات، لكنها لا تعني بالضرورة قرب سقوطه. فالرئيس يحتفظ بصلاحياته الدستورية حتى انتهاء ولايته في 2027، ولا يستطيع البرلمان عزله من خلال التصويت على حجب الثقة عن الحكومة. ولذلك، يبقى رحيله المبكر احتمالا ضعيفا، بينما تبدو حكومة لوكورنو أكثر عرضة للسقوط. والمشكلة الأساسية أن الحكومة باتت عاجزة عن تقديم تنازلات اجتماعية مؤثرة دون زيادة الضغوط على الموازنة، في حين أن تشديد الإجراءات التقشفية قد يوسع الاحتجاجات ويجعل تمرير الموازنة أكثر صعوبة.

ويبرز في هذا السياق موقف حزب التجمع الوطني بقيادة مارين لوبان، الذي يمتلك 122 مقعدا ويستطيع ترجيح نتيجة التصويت على حجب الثقة. فعلى الرغم من معارضته الحكومة، تفضل لوبان إقرار موازنة يمكن تعديلها بعد انتخابات 2027، بدلا من تحمل مسؤولية أزمة مالية جديدة.

في المقابل، يضغط الاشتراكيون لتعديل السياسة الضريبية وتحميل أصحاب الثروات الكبرى جزءا أكبر من أعباء الإصلاح. إلا أن فوز رافاييل غلوكسمان بترشيح اليسار الاجتماعي الديمقراطي للرئاسة أضاف عاملا جديدا؛ إذ دعا إلى عدم إسقاط الحكومة قبل مناقشة الموازنة، خلافا للتوجه الأكثر تشددا داخل الكتلة الاشتراكية. وبقاء الحكومة قد يصبح ممكنا إذا قدمت موازنة لا تتضمن إجراءات تستفز المعارضة، ما يسمح لها بتجنب تأييد حجب الثقة حتى دون الحصول على دعمها السياسي.

أما أمنيا، فإن التطور الأخطر ليس حجم احتجاجات 17 أكتوبر وحده، بل احتمال استمرار التنسيق بين الطلاب والنقابات والفئات المتضررة من ارتفاع الأسعار. وقد حددت نقابات عمالية يوم 5 نوفمبر موعدا لتحرك مشترك جديد، ما يمنح المحتجين فرصة للحفاظ على الزخم. كذلك، فإن إصابة متظاهرين نتيجة استخدام وسائل تفريق الاحتجاجات تضع الحكومة أمام معادلة صعبة؛ فالتشدد الأمني قد يؤدي إلى توسيع التعبئة الطلابية، بينما قد يؤدي التساهل مع أعمال التخريب إلى تعزيز خطاب لوبان بشأن استعادة النظام. وفي المقابل، لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية على وجود قيادة موحدة للحراك تستطيع تحويل الغضب الشعبي إلى برنامج سياسي واضح يفرض تغيير السلطة.

وفي الجانب الاقتصادي، حذر المسؤول في صندوق النقد الدولي ماتيوش شتشورك من أن ارتفاع تكاليف الاقتراض، رغم بقائه قابلا للاحتواء حالياً، قد يفرض إجراءات مالية أشد صرامة إذا استمر. وفي قراءة مختلفة لأسباب الأزمة، تراجع الإنفاق الحقيقي على التعليم لكل طالب بنحو 20% منذ 2017 يفسر جانبا مهما من الاحتجاجات الشبابية، وهو ما يشير إلى أن خفض أسعار الوقود وحده لن يعالج أسباب الغضب. وتزيد هذه العوامل احتمال استمرار الاضطرابات حتى لو تراجع عدد المشاركين مؤقتا.

وتشير التقديرات إلى أن السيناريو الأرجح هو استمرار ماكرون حتى نهاية ولايته، مع بقاء حكومة لوكورنو خلال المدى القريب إذا امتنع التجمع الوطني عن دعم حجب الثقة. لكن احتمالات سقوط الحكومة سترتفع بصورة ملموسة إذا فشلت مفاوضات الموازنة، أو اتسع الحراك خلال نوفمبر ليشمل إضرابات طويلة في القطاعات الاقتصادية الحيوية، أو وقعت مواجهات أمنية جديدة تؤدي إلى زيادة الضغط الشعبي والسياسي.

ومن المرجح أن يحاول ماكرون احتواء الأزمة عبر تنازلات اجتماعية محدودة، مع الإبقاء على لوكورنو ما أمكن، خصوصا أن تعيين رئيس وزراء جديد لن يغير موازين القوى البرلمانية. وإذا تعذر تمرير موازنة 2027، فقد يصبح تغيير الحكومة خيارا اضطراريا لتجاوز الأزمة السياسية، وليس استجابة مباشرة للاحتجاجات.

وبناء على ذلك، فإن الخطر الأكبر على ماكرون ليس خسارة منصبه قبل موعد الانتخابات، وإنما انتهاء ولايته وسط شلل سياسي وتراجع اقتصادي يسمحان لمنافسيه، ولا سيما اليمين القومي، بالاستفادة انتخابيا من الإخفاقات المتراكمة. ويبقى تصويت البرلمان على الموازنة ومدى استمرار التعبئة النقابية خلال الأسابيع المقبلة العاملين الأكثر حسماً في تحديد مصير حكومة لوكورنو.

المصدر: RT

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا