ودخلت الاحتجاجات أسبوعها الثالث، بعدما بدأت بمطالب تتعلق بنقص المدرسين والموارد وظروف الدراسة، قبل أن تمتد إلى مئات المؤسسات التعليمية وتتخللها مواجهات وآلاف التوقيفات. وحظي الطلاب بدعم النقابات التي دعت العاملين في قطاع التعليم للانضمام إليهم في الشوارع، في باريس ونحو 30 مدينة أخرى.
وعلى الصعيد الأمني، انتشر نحو ألفي شرطي ودركي لتأمين التظاهرة التي انطلقت في العاصمة بعد الظهر. وقررت الحكومة الفرنسية تعليق الدراسة حتى نهاية الأسبوع.
من كريتاي إلى مئات الثانويات
انطلقت شرارة الاحتجاجات في 17 سبتمبر الماضي من مدرسة سان إكزوبيري الثانوية في مدينة كريتاي بضواحي باريس، حيث احتج مدرسون على نقص الموظفين والموارد. ثم انضم الطلاب تضامنا معهم، وتوسعت المطالب لتشمل اكتظاظ الفصول، وعدم تعويض غياب المدرسين بانتظام، وتدهور بعض المباني، وارتفاع الحرارة داخل الفصول، وطول أيام الدراسة وصعوبة إجراءات القبول الجامعي.
وأعلن وزير التربية إدوار جيفري أن 589 مؤسسة شهدت اضطرابات الاثنين، مقارنة بـ735 يوم الجمعة، وسط مساع حكومية لإعادة الدراسة تدريجيا. وكان قد أشار إلى أن 24 مؤسسة تعليمية تعرّضت للحرق أو التخريب على هامش الحراك.
حصيلة ثقيلة وانتقادات حقوقية
ووفق الأرقام الحكومية، جرى توقيف أكثر من 5 آلاف شخص منذ انطلاق الحركة، غالبيتهم العظمى من القاصرين، وأُصيب 215 طالبا، وسُجلت أكثر من 700 إصابة بين عناصر قوى الأمن، ونحو 100 إصابة بين العاملين في التعليم.
وأعلنت وزارة الداخلية فتح 10 تحقيقات من جانب المفتشية العامة للشرطة الوطنية منذ بداية الحركة. من جهتها، طالبت منظمة العفو الدولية السلطات بوضع حد لما وصفته بالقمع المفرط من الشرطة خلال احتجاجات الطلاب.
البعد السياسي
اتهم رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الثلاثاء، اليسار الراديكالي بالسعي إلى إثارة الفوضى قبل الانتخابات الرئاسية التي تقام دورتها الأولى في أبريل المقبل. وقال أمام الجمعية الوطنية، ردا على رئيسة كتلة "فرنسا الأبية" ماتيلد بانو: "الحقيقة هي أنكم تتعاملون بقدر من الغموض مع العنف".
وفي المقابل، حضر جانبا من الوقفات الاحتجاجية فريق برلماني من الكتلة اليسارية يتقدمه جان لوك ميلانشون. وتقول السلطات إن بعض المطالب مشروعة، لكنها تتهم مجموعات متشددة باستغلال الاحتجاجات ودفعها نحو العنف، وهو ما تنفيه أطراف سياسية معارضة.
البعد الاجتماعي
ويرى الخبراء أن الاحتجاجات تحولت إلى أزمة متعددة الأوجه تمس المدارس والأمن والقضاء وعلاقة الدولة بشبابها. وجاء يوم الثلاثاء تحت شعار "الفعل الثالث"، بعدما اعتبرت المنظمات الطلابية والنقابات أن الإجراءات الحكومية لم تقدم تدابير ملموسة كافية.
في ظل مايو 1968
امتدت الحركة إلى التعليم العالي، إذ أُغلق نحو ثلاثين موقعا جامعيا بالحواجز في الأسبوع الذي بدأ في 28 سبتمبر. ويأمل طلاب التقتهم إذاعة "فرانس إنفو" في أن ينضم العمال بأعداد كبيرة إلى الحركة.
وكتبت إحدى المحتجات في باريس بالطباشير على الأرض عبارتي "مايو 68" و"أكتوبر 26"، معتبرة أن نزول الناس إلى الشارع في 1968 غير حياتهم وأكسبهم حقوقا.
ويعتبر المحللون أن اللافت هو تقدم طلاب الثانويات على طلاب الجامعات في قيادة الحراك، خلافا للنمط المعتاد. وتوقع تصاعد التحرك مع انضمام النقابات العمالية ونقابات الأساتذة.
وتشير أحداث مايو 1968 إلى موجة احتجاج اجتماعي وسياسي وثقافي شهدتها فرنسا بين مايو ويونيو من ذلك العام. وتميزت بحسب نقابة المدرسين SNES بدخول ملايين من القطاعين العام والخاص والطلاب وتلاميذ الثانويات والمدرسين إلى المشهد السياسي.
ولم تُسقط تلك الحركة النظام، لكن مكتبة جامعة بيركلي تشير إلى أنها تركت أثرا دائما في المجتمع الفرنسي، وفتحت المجال أمام حركات اجتماعية جديدة في السبعينيات. أما مسار الحراك الحالي، فـيبقى مفتوحا على أكثر من احتمال.
المصدر: RT