بدأت حكاية الفيلم في سبتمبر 2015، عندما التقى المخرجان السوري إيتاب عزام والبريطاني جاك ماكينيس الطفلة إسراء، التي كانت تبلغ 11 عاما، ووالدها طارق في مدينة إزمير التركية. وكانت الأسرة تستعد لعبور البحر إلى اليونان، في محاولة للوصول إلى ألمانيا هربا من الحرب في سوريا.
كان المخرجان يصوران حينها سلسلة وثائقية لهيئة الإذاعة البريطانية عن رحلة اللاجئين إلى أوروبا، وكان هدفهما متابعة الأسرة خلال رحلة اللجوء.
لكن وصولها إلى ألمانيا لم يكن نهاية الحكاية، إذ قررا مواصلة التصوير، ليتحول المشروع إلى فيلم امتد عشر سنوات، رصد حياة الأسرة وتحولاتها، وصولا إلى عودة إسراء إلى حلب بعد سقوط نظام الأسد.
من رحلة اللجوء إلى تحديات الاندماج
اضطرت الأسرة إلى مغادرة حلب بعدما دمر صاروخ منزلها. وفي إزمير، كانت إسراء تساعد والدها في بيع السجائر في الشوارع لجمع المال اللازم لعبور البحر مع المهربين.
وثق المخرجان رحلة الأسرة المحفوفة بالمخاطر، من عبور بحر إيجه إلى اليونان، ثم التنقل عبر دول أوروبا الشرقية وصولا إلى ألمانيا. وشملت الرحلة السير لمسافات طويلة تحت المطر والبرد، والنوم في العراء، والتنقل بالقطارات والحافلات، فيما كانت إسراء تحمل شقيقها الرضيع، ووالداها يدفعان شقيقتها التي تستخدم كرسيا متحركا.
استقرت الأسرة أخيرا في مدينة كولونيا، لكن التصوير استمر ليتحول من توثيق الهروب من الحرب إلى متابعة الحياة اليومية ومحاولات التأقلم مع مجتمع جديد.
كانت إسراء طفلة تتحدث العربية عند بداية التصوير، ثم تعلمت الألمانية والتحقت بالمدرسة وكونت صداقات. ومع دخولها مرحلة المراهقة، بدأت تتشكل لديها أفكار مختلفة عن تلك التي نشأت عليها في سوريا، وظهرت خلافات بينها وبين والدها بشأن المظهر واللباس وأسلوب الحياة.
وشملت التحولات والدتها نسرين أيضا، التي بدأت تكتشف إمكانات جديدة للاستقلال واتخاذ القرار، بعدما كانت حياتها محدودة الخيارات.
أما طارق، الذي كان يدير مطعما للفلافل في حلب ويتمتع بمكانة اجتماعية في مدينته، فوجد نفسه في ألمانيا مهاجرا يحاول إعادة بناء حياته. ويرصد الفيلم أثر هذا التغير في علاقته بأسرته، مع اتساع استقلال زوجته وابنته وتبدل الأدوار داخل المنزل.
عودة إلى حلب بعد عقد من الزمن
كان المخرجان يعتزمان إنهاء التصوير عندما تبلغ إسراء الثامنة عشرة، لكنهما واصلا العمل بعد تعرفها إلى محمد، وهو شاب سوري وصل إلى ألمانيا في طفولته، ثم زواجهما وإنجابهما طفلين.
وجاء سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 ليضيف محطة أخيرة إلى الحكاية، إذ عاد فريق التصوير مع إسراء إلى حلب، المدينة التي غادرتها طفلة قبل عقد من الزمن، لتجدها متغيرة بفعل الحرب والغياب، فيما أصبحت هي امرأة شابة وأما لطفلين.
وتعيش إسراء حاليا بالقرب من كولونيا مع أسرتها، وتواصل تعليمها وتستعد للعمل في الإدارة المحلية، فيما تظل صلتها بسوريا جزءا من أسئلة الهوية والانتماء التي رافقتها طوال سنوات التصوير.
ولا يكتفي الفيلم برصد الهروب من الحرب والوصول إلى مكان آمن، بل يتابع ما يحدث بعد ذلك، وكيف يعيد الزمن تشكيل العلاقات بين الآباء والأبناء، ويضع أفراد الأسرة أمام اختلافات ثقافية وخيارات جديدة.
الفيلم من إخراج إيتاب عزام وجاك ماكينيس، وإنتاج شركة "KEO Films" لصالح "BBC Storyville" و"Frontline Features". وتبلغ مدته 102 دقيقة، وصُوّر باللغات العربية والألمانية والإنجليزية.
وحصل العمل على جائزتي الجمهور والإخراج في مسابقة الأفلام الوثائقية العالمية بمهرجان صندانس السينمائي لعام 2026، ويبدأ عرضه في دور السينما البريطانية والإيرلندية في السادس من نوفمبر.
المصدر: روسيا اليوم (RT) + ذا غارديان