مباشر

الثلاثاء الأسود.. الطريق إلى الكساد الكبير

تابعوا RT على
كان الثلاثاء الأسود انهيارا مدمرا في سوق الأسهم وقع في 29 أكتوبر 1929، في ذلك اليوم، أدت عمليات البيع بدافع الذعر إلى انهيار بورصة نيويورك، وتبخر 14 مليار دولار من القيمة السوقية.

يُعد هذا الحدث على نطاق واسع الشرارة التي أطلقت "الكساد الكبير"، وهي أزمة اقتصادية عالمية حادة استمرت طوال ثلاثينيات القرن العشرين.

على الرغم من أن الانهيار بلغ ذروته في "الثلاثاء الأسود"، فإن التراجع بدأ قبل ذلك. ففي 24 أكتوبر، المعروف بـ"الخميس الأسود"، هبطت السوق بنسبة 11% خلال الساعة الأولى. وفي 28 أكتوبر، "الاثنين الأسود"، انخفض مؤشر "داو جونز" بنسبة إضافية بلغت 12.8%. أما في 29 أكتوبر، فقد سُجل حجم تداول قياسي بلغ 16.4 مليون سهم. بحلول يوليو 1932، كان المؤشر قد فقد نحو 89% من قيمته مقارنة بمستوياته في سبتمبر 1929. استمرت الأزمة قرابة عقد، من 1929 إلى 1939، وبلغت ذروة شدتها بين 1929 و1933.

في "الثلاثاء الأسود" اجتاحت موجة من البيع بدافع الذعر بورصة نيويورك، إذ تداول المستثمرون 16 مليون سهم في يوم واحد، وهو رقم قياسي ظل صامدا 39 عاما. واجه المستثمرون، الذين اشترى كثير منهم الأسهم بنظام "الهامش"، أي باستخدام أموال مقترضة، مطالبات بتغطية خسائرهم، ما دفعهم إلى الاندفاع نحو بيع أسهمهم. في غضون أسبوع واحد فقدت الأسهم أكثر من 26 مليار دولار من قيمتها. وبحلول منتصف نوفمبر كانت السوق قد تراجعت بنسبة 33%، لتصل في نهاية المطاف إلى انخفاض بلغ قرابة 90% عن ذروتها.

وجهت الأزمة ضربة قاسية للاقتصاد؛ إذ انكمش الإنتاج الصناعي بنحو 47%، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي، ووصلت معدلات البطالة إلى قرابة 25%. كما أفلست نحو 20% من إجمالي البنوك. بتفاقم الأزمة تفشت البطالة على نطاق واسع، وانتشر الفقر، وأُغلقت الشركات، وحدث انكماش حاد في الأسعار. في بعض الدول وصلت معدلات البطالة إلى 33%. كما غذّت الأزمة التوترات الاجتماعية وعدم الاستقرار السياسي؛ فعلى سبيل المثال ساهمت في ألمانيا في صعود شعبية النازيين.

يشير الخبراء عادة إلى مجموعة من العوامل المتضافرة بدلا من سبب واحد محدد، ومن أبرزها:

- فقاعة المضاربة: كانت سوق الأسهم تفتقر إلى رقابة صارمة، واعتمد كثير من المستثمرين على مستويات عالية من الديون للمضاربة، ما أدى إلى تضخيم فقاعة كان انفجارها أمرا حتميا.

- الإفراط في الإنتاج وضعف الاستهلاك: أدت تقنيات الإنتاج الضخم إلى فائض في السلع، بينما كانت أجور كثير من العمال والمزارعين منخفضة للغاية بحيث لا تمكنهم من شراء تلك المنتجات. وتراكمت السلع في المستودعات، ما أدى إلى تباطؤ الإنتاج في المصانع وتسريح العمال.

- ضعف النظام المصرفي: كانت هناك آلاف البنوك الصغيرة تعمل دون رقابة كافية ودون نظام لتأمين الودائع. حين تعثر سداد القروض، تعرضت هذه البنوك لموجات من سحب الودائع الجماعي، ما أدى إلى انهيارها.

- انخفاض دخل المزارعين: في أعقاب الحرب العالمية الأولى، قلصت أوروبا مشترياتها من المنتجات الغذائية الأمريكية، ما أدى إلى إفلاس المزارعين وتوقفهم عن شراء السلع المصنعة.

- أخطاء الاحتياطي الفيدرالي: أبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة منخفضة لفترة طويلة، ما حفّز الإقراض والمضاربة. حين بدأت الأزمة اتخذ سياسة تقييدية، ما أدى إلى تفاقم الوضع.

- معيار الذهب: أدى ربط العملات بالذهب إلى تقييد قدرة البنوك المركزية على زيادة المعروض النقدي وتخفيف حدة الصدمة.

- الحمائية التجارية: في عام 1930 صدر قانون "سموت–هاولي" للتعريفات الجمركية، الذي رفع الرسوم على الواردات بشكل حاد. دفع هذا دولا أخرى إلى اتخاذ تدابير انتقامية، ما تسبب في انكماش التجارة العالمية بمقدار الثلثين.

سرعان ما امتدت الأزمة إلى خارج حدود الولايات المتحدة. نظرا للترابط العميق في الاقتصاد العالمي، الذي كان "معيار الذهب" أحد أسبابه، فقد طال الركود العديد من الدول.

تولى فرانكلين روزفلت رئاسة الولايات المتحدة بعد انتخابه عام 1932، وأطلق "الصفقة الجديدة"، وهي سلسلة من تدابير الاستقرار شملت إصلاح النظام المصرفي، وتنظيم القطاع الزراعي، وبرامج الأشغال العامة، وقيام الحكومة بشراء الذهب من الأفراد.

غالبا ما يُنظر إلى انهيار سوق الأسهم على أنه السبب الوحيد أو الرئيسي للكساد الكبير، لكن كثيرا من الباحثين يؤكدون أن الانهيار كان عرضا للأزمة وعاملا محفزا لها، بينما تكمن الأسباب الجذرية في مشكلات اقتصادية هيكلية تراكمت على مدى سنوات.

اللافت أن فترة الكساد الكبير لم تنته فعليا إلا مع التعبئة الصناعية الهائلة خلال الحرب العالمية الثانية، التي أعادت في نهاية المطاف التوظيف الكامل ومستويات الإنتاج.

بالنظر إلى كل ذلك، تبقى أزمة 1929 شاهدا على خطر المضاربة غير المنضبطة، وضعف الرقابة المالية، وسوء إدارة السياسات النقدية والتجارية؛ كما تذكّر بأن الانهيارات المالية لا تظل محصورة في أسواق المال، بل قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد والمجتمع والاستقرار السياسي لعقود.

المصدر: RT

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا